التخطي إلى المحتوى


كتبت راكيل عتيّق في “نداء الوطن”: 

لا تحتاج السعودية الى أيّ بابٍ فئوي لتدخل من خلاله الى لبنان، فهي على مرّ تاريخها تعاطت مع لبنان الدولة مباشرةً، بمعزل عن صداقاتها وعلاقاتها الجيدة مع معظم الفئات والجهات اللبنانية، باستثناء «حزب الله» الذي تعتبر أنّه تابع للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة والذي يهدّدها مباشرةً إن على حدودها أو في محيطها. لكن على رغم ذلك، لا شك في أنّ اللقاء الذي عقده مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان للنواب السُنّة (24 من 27 نائباً سنّياً حضروا اللقاء) السبت الفائت، في دار الفتوى، حصل بدفعٍ سعودي واضح، وإحاطة سابقة له بالبيان الثلاثي الأميركي – الفرنسي – السعودي، وبعده مباشرةً لقاء آخر جمع النواب السُنّة، الذين وجهت إليهم الدعوات، في دارة السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري، وما بينهما حركة السفير السعودي تجاه الأفرقاء السياسيين. هذا الحراك كلّه أتى في توقيتٍ مُحدّد، ضمن المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية، ليشكّل التوقيت بحد ذاته الى جانب مضمون البيانات الصادرة عن هذه اللقاءات والجهات، رسالة تشديد على إنجاز هذا الاستحقاق وإسقاط الطموح بتغيير النظام وتعديل الدستور و»اتفاق الطائف»، أقلّه في المرحلة المقبلة، وتأكيد أنّ السعودية لاعب أساس ومؤثر في الانتخابات الرئاسية.

وفي حين أنّ نتائج لقاءي دار الفتوى واليرزة تحتاج بعض الوقت لتتوضّح وسيكون ملعبها الأول جلسة انتخاب الرئيس في مجلس النواب، إلّا أنّ مصادر سُنّية سيادية تبدي ارتياحها والشارع السُني لهذا الحراك المحلي – الإقليمي – الدولي الذي يأتي كلّه تحت سقف الثوابت الوطنية و»اتفاق الطائف» والقرارات الدولية التي تخصّ لبنان. فلقاء دار الفتوى أتى في هذه المرحلة وفي ظلّ التشرذم الواضح على المستوى الفردي والمجموعات الصغيرة بين النواب السُّنة، وارتباط بعضهم بقرارات «حزب الله». والأهم، بحسب المصادر السُنية، يكمن في بدء حراك لم يكن قائماً سابقاً، معتبرةً أنّ ما يُقال عن أنّه يجري برغبة سعودية، ليس بـ»مذمة»، بل هو أمر إيجابي، إذ إنّ موقف دار الفتوى السياسي يتطابق مع الموقف السعودي السياسي، والذي هو عملياً مصلحة لبنانية جامعة، كذلك يتطابق مع البيان الأخير الفرنسي – الأميركي – السعودي، وهذا المسعى المتطابق يصبّ في المصلحة الوطنية اللبنانية.

كذلك، إنّ خطاب المفتي دريان والبيان الصادر عن هذا اللقاء، يُظهران أنّ اللقاء السُّني ليس فئوياً بل يأتي ضمن مسار تكاملي لمنع شرذمة القرار السياسي لدى أي فئة تحت راية «حزب الله» وبالتالي تحت الراية الإيرانية وضدّ مصلحة لبنان، فالهدف من أي لقاء سني أو شيعي أو مسيحي أو درزي، أخذ الخيار المناسب لإنقاذ لبنان، من خلال تقليص قدرة إيران على استخدام البلد، بحسب أجواء سُنية. فضلاً عن أنّ السُنة مثل كثير من اللبنانيين يواجهون آخرين يتعاطون السياسة عبر الاغتيالات والتصفيات والأموال الهائلة، ما يؤدّي الى عدم توازن في القوى. وبالتالي من المفيد أنّ دار الفتوى تقوم بهذا الحراك، بدعم ظهر محلّي وإقليمي، خصوصاً السعودية، لأنّ الأطراف الأخرى مدعومة بإيران الظهر الإقليمي الوازن. أمّا الوسائل والأدوات الموجودة لدى دار الفتوى ولدى النواب السُنة لخوض هذه المواجهة، فهي غير واضحة المعالم حتى هذه اللحظة.

كذلك تشدّد جهات سُنية أخرى على أنّ الموقف السعودي من الاستحقاق الرئاسي أو أي استحقاق لبناني يأتي على قاعدة كيف السبيل الى حماية الاستقرار في لبنان وليس كيف السيطرة عليه كما يريد المشروع الإيراني. فهناك تناقض واضح في الأهداف بين إيران والسعودية، إذ إنّ المشروع الإيراني في المنطقة هدفه السيطرة بينما السعودية تريد الحفاظ على الاستقرار في لبنان لأنّه يشكل مصلحةً لها ولكلّ المنطقة.

على مستوى لقاء دار الفتوى تحديداً، تكمن أهميته أولاً بالشكل، بحيث عُقد اجتماع سُنّي تحت سقف المفتي بكلمة سياسية واضحة المعالم. وبالتالي هناك وضعية تكاملية بين لقاء داخلي سنّي وموقف خارجي أميركي – فرنسي – سعودي، تشكّل السعودية الدافع الأساس في اتجاهه، وأيضاً يأتي اللقاء في ظلّ حركة السفير السعودي في لبنان التي بدأت من كليمنصو ثمّ معراب فاللقاء مع النواب السُنة، وهي مستمرّة. وهذا كلّه يحصل في توقيت رئاسي، بحيث أنّ الإشارة رئاسية لجهة ضرورة إجراء هذا الاستحقاق ضمن المهلة الدستورية وانتخاب رئيس للجمهورية يلتزم «اتفاق الطائف» والقرارات الدولية. أمّا في المضمون، فيأخذ البيان الصادر عن لقاء دار الفتوى في الاعتبار حساسيات الفئات المختلفة، إلّا أنّه يشدّد على الانتماء والولاء للبنان، بإشارة الى أنّ هناك طرفاً واحداً لا ينتمي الى لبنان بخياراته وهو «حزب الله»، كذلك تحدّث عن المساواة بين اللبنانيين، وهذا يعني أن لا يكون هناك فريق يحمل السلاح وآخر أعزل، بحسب ما تقرأ جهات مسيحية سيادية اللقاء والبيان الصادر عنه. لذلك إنّ اللقاء بداية دينامية وحركية، وسيؤدي الى مزيدٍ من وضوح طبيعة الانتخابات الرئاسية، بحيث أنّ المواصفات التي وضعها تتكامل مع المواصفات التي وضعتها الفئة السيادية داخل المعارضة ومع فئة نواب «قوى التغيير»، بالتزامن مع البيان الثلاثي الدولي في التوقيت الرئاسي، الذي يُوجّه بدوره رسالة الى «المعنيين» مفادها أنّ السعودية معبر للاستحقاق الرئاسي في لبنان، والسعودية حدّدت خريطة التعاطي مع هذا الاستحقاق على قاعدة أنّ المعبر للانتخابات الرئاسية هو رئيس سيادي إصلاحي. وفي المحصّلة، تقول السعودية ودار الفتوى للإيرانيين و»حزب الله»: لا تراهنوا على الانكفاء السني وطنياً وسياسياً في لبنان. وبالتالي سيشهد الاستحقاق الرئاسي مواجهة، ستلعب العوامل الإقليمية – الدولية دوراً في تحديد الغالب فيها أو تفرض تسوية بين الطرفين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *